الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
176
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ذلك في رسالة موسى عليه السلام ، ولم تستكمل ، وكملت لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [ الحديد : 25 ] ولا أحسبه أراد برسله إلّا رسوله محمدا - عليه الصلاة والسلام - وكان هو المراد من الجمع لأنّه الأكمل فيهم . وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 64 ) . عطف على جملة فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [ النساء : 62 ] توبيخا لهم على تحاكمهم إذ كان ذلك عصيانا على عصيان ، فإنّهم ما كفاهم أن أعرضوا عن تحكيم الرسول حتّى زادوا فصدّوا عمّن قال لهم : تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول . فلو استفاقوا حينئذ من غلوائهم لعلموا أنّ إرادتهم أن يتحاكموا إلى الكفار والكهنة جريمة يجب الاستغفار منها ولكنّهم أصرّوا واستكبروا . وفي ذكر ( لو ) وجعل لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً جوابا لها إشارة إلى أنّهم لمّا لم يفعلوا فقد حرموا الغفران . وكان فعل هذا المنافق ظلما لنفسه . لأنّه أقحمها في معصية اللّه ومعصية الرسول ، فجرّ لها عقاب الآخرة وعرضها لمصائب الانتقام في العاجلة . [ 65 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 65 ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) تفريع عن قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ [ النساء : 60 ] وما بعده إذ تضمّن ذلك أنّهم فعلوا ما فعلوا وهم يزعمون أنّهم مؤمنون ، فكان الزعم إشارة إلى انتفاء إيمانهم ، ثمّ أردف بما هو أصرح وهو أن أفعالهم تنافي كونهم مؤمنين بقوله : لا يُؤْمِنُونَ ، وأكّده بالقسم وبالتوكيد اللفظي . وأصل الكلام : فو ربّك لا يؤمنون ، والعرب تأتي بحرف النفي قبل القسم إذا كان جواب القسم منفيا للتعجيل بإفادة أنّ ما بعد حرف العطف قسم على النفي لما تضمّنته الجملة المعطوف عليها ، فتقديم النفي للاهتمام بالنفي ، كقول قيس بن عاصم : فلا واللّه أشربها صحيحا * ولا أشفى بها أبدا سقيما